الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه إبراهيم وإسرائيل ، وهو إلزام لا يمكنهم التفصي منه . لأنه ثابت عندهم في التوراة وهو يدل على نبوة النبي على كل حال . إذ أخبرهم بما عندهم ولم يطلع عليه . وبهذا يسقط بحثهم في كون التحليل والتحريم لا يكونان إلا من اللّه . ومن مباحث اللفظ في الآية : أن الطعام ما يطعم ، أي يتناول لأجل الغذاء ، كما قال الراغب . وقد يقال أيضا : طعم الماء - بكسر العين - وكان يطلق غالبا على الخبز . ومنه قولهم : أكل الطعام مأدوما ، وعلى البر . ومنه حديث أبي سعيد « كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير » الخ متفق عليه . ومن إطلاقه على غيره حتما : قوله تعالى ( 5 : 96 أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) وعلى الذبائح أو العموم قوله ( 5 : 5 وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ) الآية . والحل بالكسر مصدر حل الشئ ضد حرم ، وهو مستعار من حل العقدة ، كما قال الراغب . وإسرائيل : لقب نبي اللّه يعقوب عليه السّلام . ومعناه « الأمير المجاهد مع اللّه » وقد علمت ما عندهم في سبب إطلاقه عليه من عبارة سفر التكوين التي ذكرناها آنفا . ثم أطلق على جميع ذريته كما هو شائع في كتب القوم من الأسفار المنسوبة إلى موسى فما دونها . ( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) البيان وإلزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الاتيان بها وتلاوتها على الملأ ، وامتناعهم عن ذلك لئلا يظهر أن اللّه لم يحرم عليهم شيئا من الطعام قبل التوراة . والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم اللّه بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه . ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ) فيما أنبأني به من عدم تحريم شئ على إسرائيل قبل التوراة ، وقامت الحجة عليكم بذلك . فثبت أنني مبلغ عنه . إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم . وإذ كان الأصل كذلك فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) التي أدعوكم إليها حال كونه ( حَنِيفاً ) لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ، ولا إفراط ولا تفريط . بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة